الإثنين05282018

Last updateالأحد, 27 أيار 2018 2pm

Back أنت هنا: وجهات سياحية مليحة.. ترفيهٌ بلا حدود وتاريخٌ يعانق جَمال الصحراء

السياحة السفر

مليحة.. ترفيهٌ بلا حدود وتاريخٌ يعانق جَمال الصحراء

تحتضن إمارة الشارقة مناطق سياحية طبيعية متميزة، لايزال بعضها يحتفظ بأسرار التاريخ منذ آلاف الأعوام، ولعل أبرزها منطقة مليحة، التي شهدت أول نشاط بشري منذ ما يزيد على 130 ألف عام.

 

ما إن يدخل الزائر مليحة الواقعة في المنطقة الوسطى من إمارة الشارقة، حتى يشعر بحنين إلى الماضي، ورغبة في عيش لحظاته الخالدة، وما هي سوى لحظات حتى يصل إلى مركز مليحة للآثار؛ أحد أبرز مرافق مشروع مليحة للسياحة البيئية والأثرية، التابع لهيئة الشارقة للاستثمار والتطوير (شروق)، الذي يقدم نبذة وافية عن حياة الأوائل الذين عاشوا هنا يوماً.

مركز مليحة للآثار

خمسة أزمنة شهدتها هذه الأرض في عدة مواقع أثرية مهمة وهي موقع مليحة الأثري وموقع جبل فاية وموقع جبل البحيص وموقع جبل اميلح وموقع الثقيبة وموقع سهيلة، كانت كفيلة بأن تحفظ إرثاً غنياً من العصور الحجرية وآخر العصور البرونزية، ورابع حديدي، وصولاً إلى عصر ما قبل الإسلام، ترك كل منها بصمته وكنوزه الأثرية، لتبقى ماثلة للعيان وشاهدة على حضارات سادت وبادت، وممالك قامت وأخرى اندثرت.. فيستمر التاريخ معها يروي الحكاية.

يحفل مركز مليحة للآثار بلُقىً تاريخية وأثرية، مستعرضاً إياها بطريقة مبتكرة، تحاكي دورة الحياة التي عاشتها المنطقة؛ فالبداية فيه تنطلق من العصر الحجري القديم، الذي اتخذ البشر فيه أدوات كبيرة من الحجارة لمساعدتهم على العيش واصطياد الحيوانات، والتي يمكن مشاهدتها، أو حتى استعراضها، بتقنية الهولوغرام للتعرف إليها عن كثب. وما هي إلا خطوات قليلة حتى يجد الزائر نفسه يدخل العصر الحجري الحديث، الذي تطورت فيه أدوات البشر الحجرية، لتصبح أصغر وأدق صنعاً، وأكثر تنوعاً في الاستخدام، مثل أدوات التقطيع والشفرات ورؤوس الأسهم والسكاكين وغيرها.

بمتابعة الجولة، يمر الزائر بالعصر البرونزي، ليشهد تطور الأدوات أكثر فأكثر، واستخدام الإنسان معدني النحاس والقصدير لينتج مادة البرونز للمرة الأولى في أدواته، سواء لصنع أنصال السكاكين أو الأسهم أو الخناجر، أو حتى السلاسل البسيطة، وبعض الحلي، كما يستعرض مجموعة من الفخاريات والأواني المصنوعة من الحجر الناعم والمجوهرات التي صنعت بإتقان.

تستمر الرحلة، ليأخذنا المركز إلى خبايا العصر الحديدي، لنجد أن الصناعات البشرية أخذت منحىً جديداً في الشكل والجودة، ويمكن استعراض مجموعة متكاملة من والأساور والحلي وصناديق المجوهرات، رؤوس السهام والسيوف والخناجر والسكاكين البرونزية، والأواني الحجرية، والفخاريات الكبيرة.

وتنتهي جولة الزائر عبر التاريخ عند آخر العصور الخمسة التي شهدتها المنطقة، عصر ما قبل الإسلام، الذي يعتبر أحد أهم المراحل القديمة من عمر مليحة، والتي تمثلت بظهور مملكة مليحة؛ تلك المملكة القوية التي تمتعت بعلاقات تجارية واسعة مع مختلف مناطق العالم القديم، مثل جنوب شرق بلاد فارس ومصر واليونان والهند واليمن ومدن بلاد البحر المتوسط، وتميزت بسك العملة، في دلالة على مكانتها الاقتصادية والتجارية الكبيرة.

ومن أبرز اللقى الأثرية في هذه المرحلة، عملات مسكوكة، وجرّات فخارية ورخامية، إضافة إلى الكنز التاريخي الكبير الذي يرجع إلى القرن الثالث قبل الميلاد، والمتمثل بالنقش الجنائزي المكتوب باللغة الآرامية واللغة العربية الجنوبية لكاهن ملك عمان عمد بن جر بن علي.

ما إن يستعد الزوار لمغادرة منطقة العرض حتى يلاحظوا من نوافذ المركز المقابلة لهم وجود بناء دائري متميز في الخارج، يشكل جزءاً يتكامل مع تصميم المركز وينسجم معه، ليكتشفوا أن هذا البناء هو مدفن من فترة عصر أم النار؛ أحد أكثر أبنية القبور أهمية في المنطقة، والذي يعطي دلالات واضحة حول طقوس الدفن التي كانت متّبعة عند ساكني المنطقة في العصر البرونزي، وهي الحقبة التي عرفت محلياً بفترة أم النار، والتي اكتسب المدفن اسمه منها.

وقبل أن يهمّ الزوار بالانطلاق لاستكشاف المعالم الأثرية في المنطقة، أو يقرروا خوض مغامرات مثيرة وفعاليات رياضية على كثبانها الحمراء، فإنه يمكنهم المرور على المقهى الملحق بالمركز وتناول وجبات خفيفة أو مشروبات استعداداً لمتعتهم التالية.

معالم أثرية

تزخر مليحة بالمواقع الأثرية التي تتوزع في أرجائها، والتي يحمل كل منها دلالات تاريخية مهمة، تشير إلى طبيعة من سكنوا المنطقة، ومستوياتهم الاجتماعية، والأحداث التي واجهوها. فمن القبور والمدافن إلى قصر مليحة وحصنها وبيت المزرعة وكهوف جبل الفاية، وغيرها من الأماكن، هناك الكثير مما يجسد التاريخ الذي سيبقى شاهداً على شعب مليحة.

ويعد حصن مليحة أحد أبرز معالم المدينة القديمة، إذ اكتشفت مصادفة في بداية التسعينيات خلال عمليات حفر لإنشاء خنادق لتركيب خطوط أنابيب المياه، وفي العام 2004، رممت جدرانها، وتمت حمايتها بطبقاتٍ جديدة من ألواح الطين لمنع حدوث أي تحلل أو تدهور فيها.

وبني القصر الأصلي، في المرحلة الأخيرة في مدينة مليحة القديمة، في وقتٍ ما بين منتصف القرن الثاني ونهاية القرن الثالث بعد الميلاد، ومن المرجح أنها كانت تستخدَمُ مكانَ إقامة لحاكم أو قائد مهم، وذلك بالنظر إلى تصميمها الهندسي المتميز. وتدعم هذه النظرية اكتشاف العديد من الموجودات في الموقع التي تشير إلى تمتع سكان هذا القصر بقوةٍ مهمةٍ وثروةٍ ضخمة من خلال التجارة مع المناطق البعيدة، إضافة إلى الإنتاج المحلي.

أما حصن مليحة، فيقع على بعد 500 متر شرق قصر مليحة، وتشير الأدلة إلى أن هذا المكان يعود إلى حقبة ما بين القرن الأول وأواسط القرن الثالث بعد الميلاد، ويتألف الحصن من بناءٍ مركزي محصن مبني حول فناء داخلي، كما يوجد في وسط الموقع وفي وسط كل حائط أبراج تواجه الجهة الخارجية ويمكن الدخول إليها من الساحة المركزية، ومن المحتمل أن الحصن كان قصراً لحاكم أو رئيس.

على مقربة من الحصن، وإلى الجهة الجنوبية من القصر، تقع المقبرة الكبيرة التي دفن فيها عددٌ كبيرٌ من الناس، حيث اكتشف فيها أكثر من 120 قبراً من مختلف الأنواع، بما في ذلك قبور جنائزية تذكارية كبيرة، وقبور أقل تعقيداً، وقبور بسيطة. وتشير أنواع القبور والمكتشفات التي عثر عليها إلى أنّ الموقع كان يستخدم خلال الفترة ما بين القرن الثاني قبل الميلاد والقرن الأول بعد الميلاد، وتم اكتشاف ستة قبور جنائزية تذكارية في الموقع، وتم ترميم بعضها.

مغامرات الصحراء.. إثارة بلا حدود

بعد التعرف إلى تاريخ المنطقة ومواقعها الأثرية، يحين الوقت لاسكتشاف الطبيعة في مليحة، ولعل أفضل طريقة لذلك هي خوض رحلة سفاري بسيارات الدفع الرباعي، التي تندفع بقوةٍ فوق الكثبان الرملية العملاقة، لتعرفك إلى سحر الصحراء الحقيقي في جولة تحبس الأنفاس.

تبدأ الجولة من مركز مليحة للآثار بسيارة واحدة أو مجموعة سيارات في حال كان الزوار يشكلون مجموعة كبيرة، وبينما تبدأ الجولة بهدوء باتجاه الكثبان فإن مستوى الإثارة سيرتفع بشدة مع وضع السيارة عجلاتها على الرمال الحمراء الهائلة معلنة انطلاق مغامرة صحراوية لا تُنتَسى.

بانسيابيةٍ تامة، تتحرك سيارات الدفع الرباعي التي يقودها سائقون محترفون ومدربون فوق الكثبان، صعوداً وهبوطاً، وصولاً إلى كثيب كبير، يصعدونه بسرعة وخفة، ليجد الزائر نفسه أمام معلم طبيعي فريد يطل على منطقة مليحة بأكملها، هو صخرة الأحفور، التي كانت قبل ملايين السنين جزءاً من قاع المحيط، قبل أن تصبح اليوم معلماً طبيعياً يتألف من صخور رسوبية متراكمة، ليغدو تحفة مذهلة تروي قصة المكان.

يستقل الزوار السيارات مرة أخرى باتجاه صخرة الجمل، التي اكتسبت اسمها من شكلها الذي يشبه الجمل في وضع الجلوس، لتبرز مرة أخرى جماليات مليحة وسحرها الخاص.

وغير بعيد عن صخرة الجمل، تقع استراحة غروب الشمس، التي تتيح للزوار العديد من الفعاليات الصحراوية المسائية؛ مثل ركوب الدراجات الصحراوية الرباعية، والانطلاق في مغامرة مشوقة يرتفع فيها مستوى الأدرينالين إلى أقصاه، مع التمتع بوجبة عشاء في الهواء الطلق بعد ذلك، والجلوس للاسترخاء في الاستراحة.

هناك الكثير من الفعاليات التي يمكن لزائري مليحة أن يقضوا أوقاتهم فيها، مثل الاستمتاع بمراقبة النجوم والكواكب من خلال التلسكوب الفلكي، أو خوض جولة على الأقدام أو باستخدام الدراجات الهوائية الصحراوية للتعرف إلى المنطقة ومعالمها، أو حجز الاستراحة الخاصة للتمتع بعشاء خاص تحت ضوء القمر والنجوم مع عائلاتهم أو أصدقائهم.. وعلى كل حال، مهما كانت الطريقة التي ترغب بالاستمتاع فيها بالطبيعة الصحراوية وسحرها، هناك دائماً ما يمكن لمليحة أن تقدمه لك.